الإثنين 27 أبريل 2026 04:31 صـ 10 ذو القعدة 1447 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير: من وادي السيليكون إلى مضيق هرمز.. مَن يتحكم فعليًّا في مستقبل التكنولوجيا؟

الإثنين 30 مارس 2026 03:39 مـ 11 شوال 1447 هـ
سامر شقير
سامر شقير

في لحظة فارقة يختلط فيها التوتر الجيوسياسي مع بنية الاقتصاد الرقمي، لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي قصة نمو تكنولوجي متسارع فحسب، بل تحوَّلت إلى اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود.

الحرب التي اندلعت في المنطقة أواخر فبراير 2026 لم تضرب أسواق الطاقة فقط، بل أصابت بشكل مباشر الأساس الذي يقوم عليه اقتصاد الذكاء الاصطناعي: الطاقة، والبنية التحتية، ورأس المال.

الذكاء الاصطناعي، خلافًا للصورة الشائعة، ليس مجرد خوارزميات وبرمجيات، بل صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة، كل نموذج متقدم يتم تدريبه، وكل استعلام يتم تشغيله، يعتمد على مراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.

ومع تصاعد التوترات وارتفاع أسعار النفط والغاز، بدأت هذه المراكز تواجه واقعًا جديدًا، الطاقة لم تعد رخيصة ولا مضمونة.

ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسب كبيرة خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع اضطراب الإمدادات، أدى إلى تضخم مباشر في تكاليف تشغيل مراكز البيانات، وتأخير في خطط التوسع، وإعادة تقييم جدوى الاستثمارات الضخمة التي كانت تُضخ في هذا القطاع.

شركات مثل NVIDIA تواجه مفارقة حقيقية؛ الطلب على الرقائق في تصاعد مستمر، لكن تكلفة تشغيلها أصبحت عبئًا متزايدًا، في المقابل، تجد شركات مثل Microsoft وAmazon نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التوسع في الذكاء الاصطناعي قرارًا تقنيًّا أو ماليًّا فقط، بل قرارًا مرتبطًا بأمن الطاقة واستدامتها.

الأمر لا يتوقف عند التكلفة، بل يمتد إلى المخاطر الأمنية، مراكز البيانات، التي كانت تُعتبر بنية تحتية مدنية، أصبحت أهدافًا محتملة في بيئة صراع مفتوح، ما يضيف طبقة جديدة من المخاطر تتعلق بالتأمين والاستقرار التشغيلي.

في هذا السياق، يبرز دور دول الخليج كممول رئيسي لطفرة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية، حيث تدفقت استثمارات ضخمة نحو مشاريع تقنية وشراكات عالمية، لكن المفارقة التي كشفتها الأزمة أن هذا التمويل يعتمد بشكل كبير على استقرار إقليمي هش.

أي اضطراب أمني ينعكس فورًا على تدفقات رأس المال، ويعيد ترتيب الأولويات من التوسع السريع إلى بناء بنية تحتية أكثر أمانًا واستقلالًا.

بعد نحو شهر من التصعيد، بدأت الأسواق تعكس هذا التحول بوضوح، أسعار الطاقة ارتفعت، الدولار عزز موقعه كملاذ آمن، بينما أظهرت بعض الأصول الدفاعية تذبذبًا غير معتاد.

في المقابل، برزت قطاعات رابحة مثل الطاقة والدفاع والتقنيات السيادية، بينما تعرَّضت الصناعات المعتمدة على الطاقة الرخيصة، وعلى رأسها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لضغوط متزايدة.

هذه التحولات لا تبدو مؤقتة، بل تشير إلى إعادة تسعير هيكلية للاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الطاقة والأمان عنصرين أساسيين في تقييم أي مشروع تكنولوجي، ما كشفت عنه الأزمة هو أن طفرة الذكاء الاصطناعي بُنيت على افتراضات لم تعد صلبة، توفر طاقة رخيصة ومستقرة، وعالم معولم منخفض المخاطر.

اليوم، يتغيَّر هذا الواقع لكن ذلك لا يعني نهاية الذكاء الاصطناعي، بل دخوله مرحلة أكثر نضجًا وتعقيدًا والانتقال سيكون من نموذج قائم على التوسع الضخم إلى نموذج يركز على الكفاءة، ومن استهلاك غير محدود للطاقة إلى البحث عن حلول أكثر استدامة، سواء عبر الطاقة المتجددة أو التقنيات النووية الصغيرة.

من منظور استثماري، تكمُن الفرص في هذا التحول نفسه، التقاطع بين الطاقة والذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم مجالات النمو، إلى جانب تطوير رقائق أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وإعادة توزيع مراكز البيانات جغرافيًّا نحو مناطق أكثر استقرارًا.

كذلك، سيشهد العالم صعود مفهوم "الذكاء الاصطناعي السيادي"، حيث تسعى الدول إلى امتلاك بنيتها التقنية الخاصة بعيدًا عن المخاطر الخارجية.

لكن المخاطر لا تزال قائمة، استمرار التصعيد قد يقود إلى ضغوط تضخمية عالمية، وتباطؤ في الابتكار نتيجة ارتفاع التكاليف، وربما إعادة ترتيب أولويات الاستثمار بعيدًا عن التكنولوجيا عالية المخاطر.

الخلاصة التي تفرض نفسها اليوم واضحة، الذكاء الاصطناعي لم يعد منفصلًا عن الجغرافيا السياسية، بل أصبح امتدادًا لها، المعادلة الجديدة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الطاقة، ورأس المال، والاستقرار، مَن ينجح في تحقيق التوازن بينها، لن يقود فقط مستقبل التكنولوجيا، بل سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.

موضوعات متعلقة